حين سألني معلِّمٌ شاب: كيف أجعلهم يتكلَّمون؟
في إحدى ورشي التدريبية رفع معلِّمٌ شاب يده وفي عينيه شيءٌ يشبه الإحباط:
«عندي طلَّاب لا يريدون التحدُّث. جرَّبتُ كلَّ شيء. لا أعرف كيف أدفعهم.»
صمَّتُ لحظةً.
ليس لأنَّني لم أعرف الإجابة — بل لأنَّني تذكَّرتُ نفسي في بداياتي أطرح السؤال ذاته. وتذكَّرتُ كم من الوقت أمضيتُ أُحارب الصمت في فصلي قبل أن أفهم أنَّ الصمت ليس عدوًّا.
قلتُ له: «ابدأ بأن تُصالح الصمت».
في تعليم اللغات هناك ما يُسمِّيه العلماء «فترة الصمت» — وهي مرحلةٌ طبيعية تمامًا يمرُّ بها كل متعلِّم لغة جديدة، خاصَّةً في المستويات الأولى. الطالب في هذه المرحلة يسمع ويستوعب ويُرتِّب في داخله — لكنَّه لم يكن مستعدًّا بعد للإنتاج. وطولها يختلف من طالب لآخر ومن جنسية لأخرى ومن بيئة فصل لأخرى.
قلتُ للمعلِّم الشاب: الصبر ليس ضعفًا — هو أداةٌ تعليمية حقيقية.
ثم أضفتُ شيئًا لا يجده في أي مناهج التدريب:
بعض الطلَّاب لا يصمتون كسلًا — يصمتون خوفًا. والخوف له وجوهٌ كثيرة في فصل اللغة.
الطالب الكوري أو الياباني مثلًا — لغته في بنيتها وميكانيكيَّتها مختلفةٌ جذريًّا عن العربية. المسافة بين اللغتين ضخمة. وفي ثقافته الخطأ أمام الآخرين ثقيل الوطأة — فيُفضِّل الصمت على المجازفة. لا تُفسِّر صمته بردِّ الفعل تجاه درسك — فسِّره بما يحمله من ثقل ثقافي عميق.
هذا الطالب لا يحتاج ضغطًا — يحتاج وقتًا وأمانًا.
«إذن كيف أبدأ؟» سألني.
قلتُ: لا تبدأ بالكلمات — ابدأ بالتراكيب.
الطالب المبتدئ الذي يحفظ كلماتٍ منفردة يقف أمام الإنتاج عاجزًا — لأنَّ الكلمة وحدها لا تصنع جملةً ولا تصنع ثقة. لكنَّ الطالب الذي يحفظ تركيبةً كاملة — مثل «أنا أُحبُّ...» أو «في رأيي أنَّ...» أو «أعتقد أنَّ...» — يملك مفتاحًا جاهزًا يفتح به باب الكلام في أي لحظة.
الحفظ المنظَّم للتراكيب يمنح الطالب ثقةً أوَّلية حقيقية في الإنتاج. ومن تلك الثقة الصغيرة تنمو الجرأة على الكلام.
نظر إليَّ المعلِّم الشاب وقال: «لم يقل لي أحدٌ هذا من قبل».
وهنا بالضبط أدركتُ شيئًا ظللتُ أتعلَّمه طوال مسيرتي: الخبرة الحقيقية ليست ما تقرؤه — هي ما تعيشه داخل الفصل يومًا بعد يوم حتَّى يصبح جزءًا من تفكيرك.
حين وقفتُ أمام أولى ورشي التدريبية ورأيتُ معلِّمين شبابًا يطرحون أسئلةً يبحثون فيها عن إجابات — لم أشعر بثقل المسؤولية. شعرتُ بشيء آخر: أنَّني أُوجِّه جيلًا جديدًا من المعلِّمين الذين سيُوجِّهون بدورهم آلاف الطلَّاب.
هذه المضاعفة في التأثير لا تجدها في أي مسمَّى وظيفي.
اليوم وبعد أكثر من عشرين عامًا من التدريس والتدريب في مصر والولايات المتحدة وقطر — وورشٍ في أكثر من عشر دول — ما زلتُ أتعلَّم من كلِّ ورشة أُقدِّمها. لأنَّ كلَّ معلِّم شاب يحمل سؤالًا جديدًا يجعلني أعود لأسأل نفسي من جديد.
والمعلِّم الذي يتوقَّف عن السؤال — توقَّف عن التعلُّم.
حين انتهت الورشة ذلك اليوم اقترب منِّي المعلِّم الشاب وقال: «سأُجرِّب التراكيب غدًا».
أجبتُه: «وأخبرني بعد أسبوع».
لأنَّ الخبرة لا تنتهي في قاعة التدريب — تبدأ هناك.
د. عبير حيدر
محاضرة في اللغة العربية لغير الناطقين بها — جامعة قطر
مؤلفة كتاب «ملح الكلام» في الأمثال الشعبية العربية
مساحة مخصصة لإضافة إضافات التعليقات مثل Facebook أو Disqus.