مشاهير

حوار خاص مع الأديب محمد أبو الخير ستو الفائز بجائزة إحسان عبد القدوس ..

حوار خاص مع الأديب محمد أبو الخير ستو الفائز بجائزة إحسان عبد القدوس .. «ستو» يكشف أسرار تجربته الإبداعية ويؤكد أن الأدب الحقيقي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه

 

نلتقي اليوم في هذا الحوار الصحفي الخاص مع الأديب والسيناريست المصري المتميز محمد أبو الخير ستو، رئيس قسم الإعلام بشركة «بتروتريد»، والذي استطاع أن يرسخ حضوره في المشهد الثقافي العربي من خلال تجربة إبداعية ثرية ومتنوعة، جمعت بين الرواية والقصة القصيرة والدراسات التاريخية والسيناريو السينمائي.

 

ويمتلك الكاتب رصيدًا أدبيًا متنوعًا يضم عددًا من المؤلفات البارزة التي عكست انشغاله بالإنسان والتاريخ والمجتمع، وكان لنا معه هذا الحوار للحديث عن مسيرته الإبداعية ورؤيته للكتابة.

 

س: نرحب بك أستاذ محمد. نلاحظ في مسيرتك تنوعًا كبيرًا بين الرواية والقصة والتاريخ والسيناريو. كيف تستطيع التنقل بين هذه العوالم الإبداعية المختلفة؟

 

ج: أهلاً بكم وبقرائكم الأعزاء. بالنسبة لي، تمثل الكتابة وسيلة لاكتشاف النفس البشرية وتعقيداتها، فالرواية والقصة تمنحانني مساحة واسعة للتعبير عن المشاعر الإنسانية والقضايا الاجتماعية، بينما يمنحني التاريخ الجذور والفهم العميق للتحولات التي مرت بها أمتنا عبر العصور، أما السيناريو فهو التجسيد البصري والحركي لهذه الأفكار، وأؤمن بأن كل قالب إبداعي يكمل الآخر، ويتيح للكاتب التعبير عن أفكار قد لا يستوعبها قالب واحد بمفرده.

 

س: صدر لكم كتاب «مصر في كل العصور» وقبله الدراسة التاريخية «تاريخ غير قابل للكسر». ماذا تبحث في التاريخ المصري من خلال هذه المؤلفات؟

 

ج: في كتاب «مصر في كل العصور» سعيت إلى تقديم رحلة ممتدة تبدأ من فجر الاستقرار الإنساني وحتى مصرنا المعاصرة بلقبها الحديث «الجمهورية الجديدة»، فمصر تمتلك تاريخًا استثنائيًا لم يعرف الانقطاع، وكما ذكرت في مقدمة الكتاب أنه رغم التحولات السياسية والدينية والاقتصادية التي شهدتها، استطاعت دائمًا استيعاب الثقافات الوافدة وصهرها داخل نسيجها الحضاري.

 

أما كتاب «تاريخ غير قابل للكسر» فهو محاولة لإبراز صلابة هذا الوطن وقدرته الدائمة على التجدد مهما تبدلت الأزمنة، فالتاريخ، في تصوري، ليس مجرد أحداث مضت، بل هو مرآة للحاضر ودليل للمستقبل.

 

س: بالانتقال إلى الجانب الروائي والقصصي، لديكم رصيد يضم رواية «مذكرات توأم»، والمجموعة القصصية «ابنة رئيس»، بالإضافة إلى أعمال مثل «جيمس بوند المصري وآخرون»، و«شارلوك هولمز مصر»، و«آه يا زين». حدثنا عن هذه التجربة المتنوعة.

 

ج: يمثل كل عمل من هذه الأعمال مرحلةً وتجربةً إنسانيةً مختلفة؛ ففي رواية «مذكرات توأم» حاولتُ التقاط تفاصيل اجتماعية دقيقة من واقعنا المعاصر، بينما غصتُ في المجموعة القصصية «ابنة رئيس» في عوالم الرومانسية والعلاقات الإنسانية المعقدة.

 

أما أعمال مثل «جيمس بوند المصري وآخرون» و«شارلوك هولمز مصر»، فتمثل محاولةً للمزج بين التشويق والهوية المصرية الأصيلة، بهدف تقديم أدب بوليسي يجمع بين الجدية والسخرية، ويحمل خصوصيتنا الثقافية، بعيدًا عن التقليد الأعمى للنماذج الغربية.

 

ومع ذلك، من الناحية الفنية، يبدو أن الرومانسية والعلاقات الإنسانية المعقدة تتناسب أكثر مع «مذكرات توأم»، بينما التفاصيل الاجتماعية الدقيقة تبدو أقرب إلى «ابنة رئيس». 

 

أما بالنسبة لـ «آه يا زين» فهي تمثل الفانتازيا القصصية بمفهومها الساخر والإنساني، حيث تمتزج المفارقة بالرمزية، في محاولة لطرح تساؤلات حول الإنسان والحياة والمجتمع من خلال عالم تخييلي يحمل في طياته الكثير من الدلالات والمعاني.

 

س: حققت مجموعتك القصصية «سبت يوليو الماضي» صدىً واسعًا. ما الذي يميز هذه المجموعة تحديدًا، وما الثيمة الإنسانية التي أردت إيصالها إلى القارئ من خلالها؟

 

ج: تحتل مجموعة «سبت يوليو الماضي» مكانة خاصة جدًا في قلبي؛ لأنها تمثل محاولة جادة لالتقاط اللحظات الإنسانية العابرة وتحويلها إلى لوحات سردية نابضة بالحياة. أردت من خلال قصص هذه المجموعة ملامسة هموم الإنسان البسيط وتفاصيل الحياة اليومية في الشارع المصري بصدق ودون تجميل.

 

وأعتقد أن السر وراء صداها الواسع يكمن في انحيازها الكامل للإنسان العادي؛ فالقارئ ذكي، ويبحث دائمًا عن نص يشبهه، ويعبر عن مشاعره ومخاوفه وأحلامه الدفينة. لقد سعيت إلى صياغة هذه التجارب بلغة رصينة وجذابة تجمع بين الواقعية والعمق النفسي، بحيث تترك أثرًا ممتدًا في وجدان القارئ حتى بعد الانتهاء من القراءة.

 

س: نبارك لكم فوزكم بجائزة أفضل سيناريو لفيلم قصير عن فيلم «من أولياء الله» .. كيف ترون تجربة الكتابة للسينما مقارنة بالكتابة الورقية؟

 

ج: أشكركم جزيل الشكر. السينما عالم ساحر يمتلك أدواته الخاصة. ففي سيناريو فيلم «من أولياء الله» كنت أبحث عن لحظة إنسانية دافئة، وعن ملمح بسيط يلامس القلوب ويؤكد إنسانية البشر المشتركة؛ حيث يتحول البطل من عالمه الصغير والضيق إلى عالم أوسع وأكثر رحابة، في محاولة لتجاوز صراعه النفسي والتخفف من الأعباء التي أثقلت أيامه الأولى.

 

الكتابة للسينما تتطلب تكثيفًا بصريًا كبيرًا؛ فالكلمة هنا ينبغي أن تتحول إلى صورة وإحساس يراه المشاهد ويتفاعل معه مباشرة، وهي تجربة ممتعة ومتكاملة مع الكتابة الروائية والقصصية. 

 

والأجمل من كل ذلك أن المسابقة كانت تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يؤمن بأهمية تقديم أعمال درامية وسينمائية تحترم عقل المشاهد ووجدانه، وتسهم في بناء الوعي المجتمعي وترسيخ القيم الإنسانية، بعيدًا عن الابتذال أو التسطيح، وهو ما يمثل دافعًا إضافيًا للاستمرار وتقديم أعمال تحمل قيمة إنسانية وفكرية حقيقية.

س: فوزك بجائزة الكاتب الكبير «إحسان عبد القدوس» في مطلع عام 2026 عن قصة «في تلك الليلة» يعد محطة فارقة في مسيرتك. كيف ترى هذا التكريم في ضوء الإرث الأدبي والصحفي لإحسان عبد القدوس، الذي تميز بالدفاع عن الحرية والاقتراب من روح الشباب؟

 

ج: الفوز بجائزة تحمل اسم «فارس الحرية» الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس شرف عظيم ومسؤولية أدبية مضاعفة. فقد كان إحسان عبد القدوس مدرسة رائدة استطاعت أن تمزج بين عين الصحفي الخبيرة القادرة على اختراق طبقات المجتمع، وقلم الأديب الذي انتصر لقيم الحرية الإنسانية والاجتماعية، فظل دائمًا الأقرب إلى روح الشباب وقضاياهم.

 

ومن هنا، فإن فوز قصة «في تلك الليلة» بهذه الجائزة المرموقة من صالون إحسان عبد القدوس الثقافي يمثل بالنسبة لي شهادة تقدير غالية، تؤكد أن السير على درب الصدق الفني، والغوص في أعماق النفس البشرية، والانتصار لقضايا الإنسان، هو الطريق الذي يمنح الكلمة قدرتها على البقاء وخلودها في وجدان القراء.

 

س: كيف تنظر إلى أهمية الجوائز الأدبية في مسيرة الكاتب؟

 

ج: أرى أن الجوائز الأدبية، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما تمثل وسيلة مهمة لتسليط الضوء على الأعمال الجادة، وإتاحة الفرصة لوصولها إلى شريحة أوسع من القراء. كما أنها تمنح الكاتب دفعة معنوية وتشجعه على مواصلة مشروعه الإبداعي وتطوير أدواته.

 

لكن، في تقديري، تبقى الجائزة الحقيقية لأي كاتب هي قدرته على ملامسة وجدان القارئ، وترك أثر إنساني وفكري يظل حاضرًا حتى بعد انتهاء القراءة. فالنص الأدبي الذي يعيش في ذاكرة القراء ويؤثر في رؤيتهم للحياة هو الإنجاز الأهم والأبقى.

 

س: نُشرت لكم مؤخرًا قصة «زينب وأبي تمام» في جريدة الأهرام، وهي قصة تحمل بعدًا إنسانيًا وفكريًا عميقًا حول الفجوة الثقافية بين الزوجين واكتشاف الآخر. ما الرسالة التي أردتم إيصالها من خلالها؟

 

ج: «زينب وأبي تمام» هي في جوهرها قصة عن الاستيقاظ من الغفلة، فبطل القصة كان أسير اعتقاد خاطئ، إذ ظن أن زوجته بعيدة عن عالمه الفكري والأدبي، ليكتشف في النهاية أنها كانت تحاول بصمت فهم عالمه والاقتراب منه، وحين أدرك أنها كانت تمارس الأدب الحقيقي في حياتها اليومية من خلال مواقفها الإنسانية النبيلة ومساعدتها للآخرين، تغيّرت نظرته إليها وإلى الحياة ذاتها، وأدرك أن جوهر الثقافة لا يكمن فقط في قراءة الكتب وحفظ النصوص، بل في القدرة على ترجمة القيم الإنسانية إلى سلوك وممارسة يومية.

 

أردت من خلال هذه القصة التأكيد على أن الحياة أكبر من كل التصورات المسبقة، وأننا كثيرًا ما نبحث عن الكنوز الفكرية والإنسانية في أماكن بعيدة، بينما تكون موجودة بجوارنا طوال الوقت، كامنة في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة.

 

س: كلمة أخيرة توجهها إلى القراء والكتاب الشباب الذين يتطلعون إلى السير في درب الأدب؟

 

ج: أقول لكل كاتب شاب: لا تحصر نفسك في قالب واحد، واقرأ في مختلف المجالات لتثري حصيلتك المعرفية، فالكتابة رحلة مستمرة من التعلم والاكتشاف، والأهم دائمًا هو الصدق والبحث عن الملمح الإنساني الجميل في كل ما نكتبه، عليه أن يسير نحو شغفه بكل ما يملك من طاقة، فالأدب هو أحد أهم الوسائل التي تمنح الحياة معناها الأعمق.

 

ختامًا؛ يكشف هذا الحوار عن تجربة إبداعية ثرية ومتعددة الأبعاد، استطاع من خلالها الأديب والسيناريست محمد أبو الخير ستو أن يجمع بين شغف المؤرخ، وحس الروائي، وعين السيناريست، ليقدم مشروعًا أدبيًا وإنسانيًا ينحاز للإنسان وقضاياه في مختلف تجلياته.. وبين صفحات التاريخ، وعوالم السرد، وعدسة السينما، يواصل الكاتب رحلته الإبداعية مؤمنًا بأن الأدب رسالة ووعي، ومحاولة دائمة لفهم الإنسان وإضاءة جوانب الحياة الأكثر عمقًا وجمالًا.

عبد الله عمار

بقلم: عبد الله عمار

محرر وكاتب في خليجي نيوز. يغطي أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية عالية.
مقالات ذات صلة
أضف تعليقاً

مساحة مخصصة لإضافة إضافات التعليقات مثل Facebook أو Disqus.